السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
447
مفاتيح الأصول
المتقدمة على هذا الخبر قد فرض صدقها وما هو صدق لا يمكن أن يكون كذبا لامتناع اجتماع الضدّين فيلزم أن يكون هذا الخبر كذبا قطعا ومنها ما صرّح به في الإحكام فقال من الكذب ما صرّح الجمع الذين لا يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومنها ما حكاه في الذريعة عن قوم فقال في مقام ذكر الأخبار المعلومة الكذب وقد ألحق قوم بهذا الباب لواحق منها أن يكون الخبر لو كان صحيحا لوجب قيام الحجة على المكلفين فإذا لم يقم به علم أنه باطل ثم منع من ذلك فقال بعد ذكر هذا وجملة أخرى واعلم أن هذه الوجوه إن صحت كلها أو بعضها فإنما هي تفصيل لما أجملناه في قولنا بدليل عقلي لأن الأدلَّة العقلية المبنية على العادات واختبارها إليها فرع من ألحق هذه الوجوه مما صح منها من كل أو بعض فهو داخل في الجملة التي ذكرناها والكلام في تصحيح كلّ واحد من هذه الوجوه الملحقة يطول جدّا ويخرج عن الغرض لكننا نشير إلى جملة كافية أما الوجه الأول فلا يصحّ إطلاقه لأنه غير ممتنع أن يتفق دواعي الأمة إلى كتمان حادث من الحوادث أو حكم من الأحكام حتى لا ينقله منهم إلا الآحاد فلا يجب إذن أن يقطع على بطلان خبر الواحد عنه من حيث لم ينقله الجميع إلا بعد أن يعلم انتفاء دواعي من طيه وكتمانه وأنه مع العادة لا يجوز ذلك فيه فأمّا إذا لم يعلم ذلك جوزنا كون الخبر صدقا وإن لم ينقله الجميع وقولهم لا يجوز أن يكلَّف اللَّه تعالى ما لا يقيم عليه الحجة صحيح إلا أنه ليس كل حجة على هذا الحكم هو إخبار الجماعات وغير ممتنع أن يكون الحجة قائمة وإن كتمه الأكثر من جهة قول إمام الزمان إذا بيّنه وأوضح عنه انتهى ومنها ما ذكره في النهاية فقال في المقام المذكور ويلحق بذلك الخبر الذي يروى في وقت قد استغرق فيه الأخبار فإذا فتش عنه في بطون الكتب وصدور الرواة لم يوجد له أثر فإنه يعلم أنه لا أصل له بخلاف الصحابة فالأخبار لم تفد حينئذ فيجوز أن يروي أحدهم ما لم يوجد عند غيره انتهى وفي نهاية السئول للأسنوي وفي المحصول والمختصر أنه قسم ثالث للخبر الذي يقطع بكذبه وهو ما نقل عن النّبي صلى الله عليه وآله بعد استقرار الأخبار ثم بحث عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة وفي الذريعة قد ألحق قوم بالكذب أن يكون الخبر ما لو كان صحيحا لعلم أهل العلم إذا فتشوا عنه وإذا لم يعلم مع التفتيش علم كونه كذبا ثم بين فساد ذلك فقال بعد ما حكينا عنه سابقا فقال والوجه الثاني يجري مجرى الأول في فساد إطلاق القول فيه ووجوب تقييده بما أشرنا إليه ومنها الخبر الذي لم يتواتر وكان مما يتوفر الدّواعي على نقله نقلا يبلغ التواتر فعدم تواتره يقتضي الحكم بكذبه وقد صار إلى عدّه من الكذب جماعة ففي النهاية الأمر الذي يتوفر الدّواعي على نقله لوجد إما لتعلَّق الدّيني به كأصول الشرع أو الغريبة كسقوط مؤذن من المنارة أو لهما معا كالمعجزات فإذا لم يوجد ذلك مع انتفاء التقية والخوف دل على الكذب وفي التهذيب لا يجب كون الخبر الذي يتوفر الدواعي على نقله متواترا إذا حصل خوف أو تقية وفي شرح البداية من المعلوم كذبه كسبا الخبر الَّذي يتوفر الدّواعي على نقله ولم ينقل كسقوط المؤذن عن المنارة ونحو ذلك وفي المنهاج الثاني فيما علم كذبه وهو قسمان الأوّل ما علم خلافه ضرورة واستدلالا الثاني ما لو صحّ لتوفرت الدّواعي على نقله كما يعلم أن لا بلدة بين مكَّة والمدينة أكبر منهما إذ لو كان لنقل وفي نهاية السئول الخبر الَّذي يقطع بكذبه قسمان الأول إلى أن قال الثاني الخبر الَّذي لو صح لتواتر لكون الدواعي على نقله متوفرة إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أو لتعلَّقه بأصل من أصول الدّين كالنص على الإمامة فعدم تواتره دليل على عدم صحته انتهى وحكاه في الذريعة عن قوم فقال في مقام ذكر الأخبار المعلومة الكذب وقد ألحق قوم بهذا الباب لواحق إلى أن قال ومنها أن يكون المخبر عنه مما تقوى الدواعي إلى نقله ونمنع من كتمانه فإذا لم ينقل والحال هذه علم كذبه ومنها أن يكون الحاجة ماسة في باب الدّين إلى نقله فإذا لم ينقل كما نقلت نظائره علم بطلانه ومنها أن يكون في الأصل ذائعا شائعا ومثله في العادة لا يضعف نقله بل يكون حاله في الاستمرار كحاله في الأول ثم بين فساد ما ذكر فهو مخالف في المسألة وربما يظهر من النهاية والمنهاج ونهاية السئول أنه مذهب الشيعة ففي المسألة قولان أحدهما أن المفروض من الأخبار المعلومة الكذب وهو لجماعة وثانيهما أنه ليس منها وهو لآخرين للأولين وجوه منها أن المعلوم من سيرة العقلاء جعل عدم التواتر مع توفر الدّواعي على النقل دليلا على الكذب وكثيرا ما يصرّحون بكذب الخبر بذلك ومنها ما ذكره في النهاية والمنهاج ونهاية السئول فقالوا إن ذلك من الكذب وإلا لجوزنا وجود بلدة بين البصرة وبغداد أعظم منهما مع أنه لم يخبر عنهما وهو معلوم البطلان ولا مستند لهذا العلم إلا عدم النقل المتواتر مع توفر الدّواعي وفي الذريعة إما الوجه الثّالث فلا شبهة أنا إذا علمنا أن الدّواعي إلى نقله ثابتة والصّوارف عن ذلك مرتفعة ثم لم ينقل علمنا بطلانه وبقي أن يكون ذلك معلوما وربما أوجبت هذه الحال فيما هو بخلافها ومنها ما ذكره في النهاية فقال لو لم يكن ذلك من الكذب لجوزنا أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله أوجب عشر صلوات ولم ينقل سوى الخمس ولما كان ذلك باطلا فكذا ما أدى إليه وللآخرين وجوه أيضا منها ما أشار إليه في النهاية من أن العلم بعدم هذه الأمور إن توقف على العلم بأنه لو كان لتواتر لوجب أن يكون الشاك في الأصل شاكا في هذا الفرع لكن الناس كما يعلمون ضرورة وجود بغداد والبصرة يعلمون ضرورة عدم بلدة بينهما أكبر والضروري